الثلاثاء، 25 أيار، 2010

الحبُّ السماوي بين مي زيادة وجبران خليل جبران

رسائل حب بين مي وجبران

أحبك قليلاً، كثيرًا، بحنو، بشغف، بجنون، لا أحبك
مي زيادة
يولد الحب في رحم الحياة ثم يكبر رويدا رويدا ليتمكن في زمن ما من الوقوف على قدميه ويواجه الحياة وتحدياتها وضغوطها الاجتماعية والسياسية وما إلى هنالك من ضغوط أخرى
ونستطيع تشبيه الحب بشجيرة الياسمين الصغيرة التي تحتاج للرعاية لتكبر وتزهر وتبدأ جذورها بالتشبث بالأرض ممتدة بعيدا بعيدافي عمق الارض متشبثة بالاعماق
وكما تحتاج النبتة للرعاية يحتاج الحب أيضا وإلا ذوى ومات تاركا خلفه قلوبا متعبة وأطلال حزينة لقصص كان بالإمكان أن تزهر وتطرح الثمر. الحب هو عناق للأرواح وتواصل مورق . الحب هو الحب .... بكل أنواعه وحالاته ، وقد بدا البعض في الآونة الأخيرة بالحديث عن الحب عبر الانترنت أو كما سماه البعض الحب عبر الأثير مبدين تعجبهم من ظهور قصص حب كتلك ومتهمين اياهاعلى أنها موجة أتت بها حضارة الانترنت والمجتمع الرقمي وانها ومضة سرعان ماتزول.ولا ادري سبب استغراب البعض لتلك القصص علما أن الانترنت هو الطريقة المثلى لتقريب المسافات وفتح أبواب للتعارف والتقارب والحب ومع انها لم تكن متاحة في السابق فقد ازدهرت بعض قصص الحب رغم عدم وجود تقنيات تقرب المحبين من بعضهم لكن الارواح حين تتلاقى لا تسال عن السبب والمسببات. كثيرة هي قصص الحب عبر التاريخ التي نمت وكبرت من خلال الرسائل التقليدية والتي كانت تستغرق أيام لتصل إلى صاحبها علما أنها السبيل الوحيد للتواصل . فإذاً ماالذي يجعل الحب يحصل بين رجل وامرأة تفصلهما آلاف الكيلومترات؟ أليس هو التميز الفريد في شخصية من نحب؟ وكأنموذج للحب عن بعد والذي يشبه الى حد بعيد حالة الحب على عبر الأثير قصة الحب والصداقة التي جمعت بين الأديب جبران خليل جبران والأديبة مي زيادة ،والسؤال ما سر هذا الحب بينهما ؟ولماذا لم نتعجب من وجوده؟ وهل الكلمة المكتوبة على الورق اشد وقعا في النفس من الكلمة المكتوبة على الانترنت؟
أنها الأحرف ذاتها التي تعبر عن الحب إن كانت ورقية أو الكترونية المهم إيصال الحالة الجميلة الذي تختزل شعور المحبين في عبارات تدخل القلب وتقطن الفؤاد .لم يلتق جبران بمي أبداً رغم حوالي ربع قرن على التراسل.. كان هو في نيويورك، وكانت هي في القاهرة.. ورغم أن اللقاء دار ببالهما، وخصوصاً ببال مي، إلا انه لم يحصل، بحور وجبال ومسافات شاسعة فصلت بين العاشقين إلا إن الحب لم ينقطع بالرغم من أن بعض النقاد أشاروا إلى أن مابين مي وجبران ماهو إلا صداقة أدبية بحتة ولا ترقى لحالة الحب ولكن هذه الرسالة تدل على وجود الحب وأكثر.....
من جبران إلى مي
ها قد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص .
نيويورك 2 كانون الثاني 1914
حضرة الأديبة الفاضلة.

قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ! أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها . ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم ! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا !.
غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بافهامي ؟ قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله ؟ أو لم تبدعي لي من " لا شيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص ؟ لقد فلحت وأحسنت البيان , أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف " كالي" ربة الهند وسهام " ديانا" معبودة الأغريق .
والآن وقد فهم كل منا ما في روح الآخر من الشر والميل إلى الاقتصاص فلنعد إلى متابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين . كيف أنت وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان )؟ هل خلعت ذراعاً ثانية في الصيف الماضي أم منعتك والدتك من ركوب الخيل فعدت إلى مصر صحيحة الذراعين ؟ أما أنا فصحتي أشبه شيء بحديث السكران وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البحر ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام – تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي .
وقد سررت باستحسانك مجلة الفنون فهي أفضل ما ظهر من نوعها في العالم العربي , أما صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم " ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذا الشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حق المعرفة . أما صديقنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقب .
بكل أسف أقول انني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحب الموسيقى محبتي الحياة ولي ولع خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمق بتاريخ نشأتها وارتقائها , فان ابقتني الأيام سأكتب رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها .
ولي ميل للموسقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرة أو مرتين إلى الأوبرا غير أني أفضل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي . واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغم النهوند على الأوتار فهو نغم أحبه ولي رأي فيه يشابه رأي " كارليل في النبي محمد ". ( كارلايل : أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه " الأبطال , عبادة الأبطال , والبطولة في التاريخ "
وهلا تكرمت بذكري أمام هيبة أبي الهول ؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهر الفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة , أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مستحبة .
أنا معجب مثلك بالدكتور شميل فهو واحد من القليلين الذين انبتهم لبنان ليقوموا بالنهضة الحديثة في الشرق الأدنى وعندي أن الشرقيين يحتاجون إلى أمثال الدكتور شميل حاجة ماسة كرد فعل للتأثير الذي أوجده الصوفيون والمتعبدون في القطرين مصر وسوريا .
هل قرأت الكتاب الفرنساوي الذي وضعه خير الله افندي خير الله ؟ أنا لم أره بعد وقد أخبرني صديق أن في الكتاب فصل عنك وفصل آخر عني فإذا كان لديك نسختان تكرمي بإرسال نسخة منهما إليّ وأجرك على الله .
---------------------------------------------------------------------------
نيويورك 24 كانون الثاني 1919
حضرة الأديبة الفاضلة الآنسة ماري زيادة المحترمة .
سلام على روحك الطيبة الجميلة . وبعد فقد استلمت اليوم أعداد المقتطف التي تفضلت بإرسالها إليّ فقرأت مقلاتك الواحدة أثر الأخرى وأنا بين السرور العميق والإعجاب الشديد . ولقد وجدت في مقالاتك سرباً من تلك الميول والمنازع التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي ولكن هناك مبادئ ونظريات أخرى وددت لو كان بامكاننا البحث فيها شفاها . فلو كنت الساعة في القاهرة لاستعطفتك لتسمحي لي بزيارتك فنتحدث مليا في " أرواح الأمكنة " وفي " العقل والقلب " وفي بعض مظاهر " هنري برغسن" ( هنري برغسن فيلسوف فرنسي حاز على جائزة نوبل عام 1927 وهو صاحب نظرية الروحانية ضد هجمات المذاهب المادية . من مؤلفاته " المادية والذاكرة" و " التطور والأخلاق" .) غير أن القاهرة في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها وليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه .
إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب , وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة – وعندي أ، الاختبار أو الاقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل – وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية .
ولكن لي سؤال استأذنك بطرحه لديك وهو هذا : ألا يجيء يوم يا ترى تنصر فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة ومخبآتها النبيلة ؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين ؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر و الشعراء ؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن اقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد ومن دولة إلى دولة لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبيني شيئاً نفسياً ذاتياً أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فانك تدلينني على شيء عمومي عقلي . وكلامي هذا لا ينفي كونك تستطيعين اظهار اختباراتك النفسية الذاتية في كتابة تاريخ الفنون المصرية بيد أني أشعر بأن الفن – والفن اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح- هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة من البحث – والبحث اظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في الاجتماع . ليس ما تقدم سوى شكل من الاستعطاف باسم الفن .
فأنا استعطفك لأني أريد أن استميلك إلى تلك الحقول السحرية حيث سافو ( شاعرة اغريقية ولدت في مدينة ليزبوس في أوائل القرن السادس قبل الميلاد , لها تسع دواوين من الشعر الغنائي والاناشيد لم يصلنا منها سوى بضع قصائد ) وايليزبيت براوننغ ( شاعرة بريطانية مبدعة تمتاز قصائدها بالعمق والرقة والنزعة الصوفية . وهي زوج الشاعر الانكليزي روبيرت براوننغ الذي أحبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف إليها ثم زارها في بيتها فأحبته حباً عارماً جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها .) وأليس شراينر ( كاتبة انكليزية دعت في مؤلفاتها إلى تحرير النساء ) غيرهن من أخواتك اللواتي بنين سلّما من الذهب والعاج بين الأرض والسماء .
أرجوك أن تثقي بإعجابي وأن تتفضلي بقبول احترامي الفائق والله يحفظك للمخلص.
جبران خليل جبران
---------------------------------------------------------------------------
نيويورك في 7 شباط 1919
عزيزتي الآنسة مي .

لقد أعادت رسالتك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها موكباً إثر موكب . تلك الأشباح التي ما ثار البركان ( يقصد بذلك الحرب العالمية الأولى ) في أوربا حتى انزوت محتجبة بالسكوت – وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله .
هل تعلمين يا صديقتي أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأنني كنت أقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلاداً لها وقومي قوماً لها , هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشودة في إذن خيالي كلما وردت عليّ رسالة منك ؟ لو علمت لما انقطعت عن الكتابة إليّ- وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .
أما مقالة أبي الهول فالسماء تعلم بأنني لم أطلبها منك إلا بعد إلحاح مستمر من صاحب مجلة الفنون – سامحه الله . فان من طبعي استهجان اقتراح المواضيع على الأدباء خصوصاً تلك الفئة القليلة التي لا تدون إلا ما توحيه الحياة إليها – وأنت من تلك الفئة القليلة – وفوق ذلك فأنا أعلم أن الفن يطلب ولا يطلب منه , وأن في نفس اقتراح المواضيع شيئاً مانعاً عن الإجادة فيها , فلو كتبت إلي في ذلك الزمن قائلة " لا ميل لي الآن إلى كتابة مقالة في أبي الهول " لقلت مترنماً :
" لتعش ميّ طويلا فهي ذات مزاج فني لا غش فيه " الخلاصة أنني سأسبقك في كتابة مقالة , في ابتسامة أبي الهول ! وبعد ذلك سأنظم قصيدة في ابتسامة ميّ ولو كان لدي صورتها مبتسمة لفعلت اليوم , ولكن عليّ أن أزور مصر لأرى ميّ وابتسامتها . وماذا عسى أن يقول الكاتب في ابتسامة المرأة؟ أفلم يقل ليونردو دافنشي آخر كلمة في الموضع عندما انتهى من صورة " لا جوغندا " ؟ , ولكن, أليس في ابتسامة الصبية اللبنانية سر لا يستطيع ادراكه واعلانه غير اللبناني , أم هي المرأة لبنانية كانت أم ايطالية تبتسم لتخفي أسرار الأبدية وراء ذلك النقاب الرقيق الذي تحوكه الشفاه .
والمجنون ( أول مؤلفات جبران باللغة الانكليزية ) وماذا يا ترى أقول لك عن المجنون ؟ أنت تقولين أن فيه ما يدل على " القسوة" بل وعلى " الكهوف المظلمة" . وأنا الآن لم أسمع مثل هذا الانتقاد مع انني قرأت الكثير مما نشرته جرائد ومجلات اماركا وانكلترا في هذا الكتاب الصغير . والغريب أن أكثر الأدباء الغربيين قد استحسنوا القطعتين :
My Minds
و
The Sleep Walkers
( مقالتان لجبران , عقلي والسائرون في نومهم )
واستشهدوا بهما أو ذكروهما بصورة خاصة . أما أنت يا صديقتي فقد وجدت فيهما القسوة – وماذا ينفع الانسان إذا ربح استحسان العالم وخسر استحسان ميّ ؟ وقد يكون ارتياح هؤلاء الغربيين إلى المجنون واخيلته ناتجاً عن مللهم أخيلة نفوسهم وعن ميلهم الطبيعي إلى الغريب والغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقي المظاهر . أما تلك الأمثال والقصائد المنثورة التي نشرت في الفنون فقد ترجمها عن الأصل الانكليزي أديب محبته لي أوسع قليلا من معرفته بدقائق البيان الانكليزي .
ولقد رسمت بالحبر الأحمر دائرة حول لفظة " اشمئزاز" التي جاءت في كلامك عن المجنون , فعلت ذلك لعلمي بأنك إذا وضعت كلمات
The Sleep Walkers
بين شفاه الأمس والغد بدلا من وضعها على لسان أم وابنتها لأبدلت لفظة الاشمئزاز بلفظة أخرى – أليس كذلك ؟.
وماذا أقول عن كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك – اني التجئ إليها عندما أتعب من سبل الناس الواسعة وحقولهم المزهرة وغاباتهم المتعرشة. إني أدخل كهوف روحي عندما لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي , ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على ركبتيه وهو يصلي .

أما استحسانك الرسوم الثلاثة في المجنون فقد سرني ودلني على وجود عين ثالثة بين عينيك , وقد طالما عرفت أن وراء أذنيك آذان خفية تسمع تلك الأصوات الدقيقة الشبيهة بالسكوت – تلك الأصوات التي لا تحدثها الشفاه والألسنة بل ما وراء الألسنة والشفاه من الوحدة العذبة , والألم المفرح , والشوق إلى ذلك العالم البعيد الغير معروف .

وأنت تسألين ما إذا كنت أريد أن يفهمني أحد بعد قولي :
For those who understand us enslave something in us
" لأن الذين يدركون خبايا نفوسنا يأسرون شيئا منها"
لا , لا أريد أن يفهمني بشري إذا كان فهمه إياي ضرياً من العبودية المعنوية . وما أكثر الذين يتوهمون أنهم يفهموننا لأنهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه مرة في حياتهم . وليتهم يكتفون بادعائهم ادراك أسرارنا – تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لا ندركها – ولكنهم يصموننا بعلامات وأرقام ثم يضعوننا على رف من رفوف أفكارهم واعتقاداتهم مثلما يفعل الصيدلي بقناني الأدوية والمساحيق ! أوليس ذلك الأديب الذي يقول بأنك تقليدينني في بعض كتاباتك من هؤلاء البشر الذين يدعون فهمنا ومعرفة خفايانا؟ وهل تستطيعين اقناعه بأن الاستقلال هو محجة الأرواح وإن أشجار السنديان والصفصاف لا تنمو في ظلال بعضها البعض ؟

ها قد بلغت هذا الحد من رسالتي ولم أقل كلمة واحدة مما قصدت أن أقوله عندما ابتدأت . ولكن من يا ترى يقدر أن يحول الضباب اللطيف إلى تماثيل وانصاب ؟ ولكن الصبية اللبنانية التي تسمع ما وراء الأصوات سترى في الضباب الصور و الأشباح .

والسلام على روحك الجميلة ووجدانك النبيل وقلبك الكبير والله يحرسك .

المخلص : جبران خليل جبران

---------------------------------------------------------------------------
نيويورك حزيران – 1919
عزيزتي الآنسة ميّ.
رجعت اليوم من سفره مستطيلة إلى البرية فوجدت رسائلك الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسة . ولقد علمت من خادمي أن هذه الرسائل بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت معاً منذ أربعة أيام . الظاهر أن البريد المصري قد توقف عن اصدار الرسائل من القطر مثلما حجز الرسائل الواردة إليه .

ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف – أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها ؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر ؟ إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة , فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا نضيف فتراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد . يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب . وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذا فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظية – في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الابتسامات .

ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس ( شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان , سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم .) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة . إن يوماً يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل ؟ ذلك يوم انتحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد.

وبما أجيب على سؤالاتك؟ وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر ؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث . فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك .

تقولين في رسالتك الأولى " لو كنت أنا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفني في هذه الأيام " أفلم تزوري مكتبي قط ؟ أليس رواء أثواب الذكرى الظاهرة جسد خفي للذكرى ؟ انما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتي وجحيمي . هو غاب تنادي فيه الحياة الحياة وهو صحراء خالية أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير . إن مكتبي يا صديقي هو منزل بدون جدران وبدون سقف .

ولكن في مكتبي هذا أشياء كثيرة أحبها وأحافظ عليها . أنا مولع بالآثار القديمة وفي زوايا هذا المكتب مجموعة صغيرة من طرائف الأجيال وبعض نفائسها كتماثيل وألواح مصرية ويونانية ورومانية وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمة العهد ورسوم ايطالية وفرنسية وآلات موسيقية تتكلم وهي صامتة . ولا بد من الحصول يوما ما على تمثال كلداني من الحجر الأسود . إني أميل بكليتي إلى كل شيء كلداني فأساطير هذا الشعب وشعره وصلواته وهندسته بل وأصغر أثر أبقاه الدهر من فنونه وصنائعه ينبّه في داخلي تذكارات غامضة بعيدة ويعود بي إلى الماضي الغابر ويجعلني أرى الحاضر من نافذة المستقبل . أحب الآثار القديمة وأشغف بها لأنها من أثمار الفكرة البشرية السائرة بألف قدم من الظلام نحو النور – تلك الفكرة الخالدة التي تغوص بالفن إلى أعماق البحار وتصعد به إلى المجرة .

أما قولك " ما أسعدك أنت القانع بفنك " فقد جعلني أفتكر طويلاً , لا يا ميّ لست بقانع ولا أنا بسعيد . في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنه ليس كالطمع , ولا يدري ما السعادة غير أنه لا يشابه التعاسة . في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأن في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق .

وهل أنت سعيدة وقانعة بمواهبك العظيمة ؟ أخبريني يا ميّ هل أنت قانعة وسعيدة ؟ أكاد أسمعك هامسة : " لا لست بقانعة ولا أنا بسعيد " إن القناعة هي الاكتفاء والاكتفاء محدود وأنت غير محدودة .
أما السعادة فهي أن يملأ المرء نفسه من خمرة الحياة ولكن من كان كأسه سبعة آلاف فرسخ بالطول و سبعة آلاف فرسخ بالعرض لا ولن يعرف السعادة حتى تنسكب الحياة بكاملها في كأسه . أفليس كأسك يا ميّ سبعة آلاف فرسخ وفرسخ ؟

وماذا أقول عن " جوي المعنوي؟" لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو من الهدوء والسلامة أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج والسلامة بالنزاع . إن البشر يلتهمون أيامي ولياليّ ويغمرون أحلامي بمنازعهم ومراميهم فكم مرة هربت من هذه المدينة الهائمة إلى مكان قصيّ لأتخلص من الناس ومن أشباح نفسي أيضاً . إنما الشعب الأماركي جبار لا يكل ولا يمل ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم , فإذا بغض هذا الشعب رجلا قتله بالإهمال وإذا أحبه قتله بالانعطاف فمن شاء أن يحيى في نيويورك عليه أن يكون سيفاً سنيناً ولكن في غمد من العسل : السيف لروع الراغبين في قتل الوقت والعسل لارضاء الجائعين !

وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق . إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي – لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً . ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟ حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد .

سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى الجهاد منها إلى التذمر .

إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ . أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني أمامها رأسي , غير أنني أشعر بأن حافظتك خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل ما جاء في المواكب , بل ومن كل ما كتبته وأكتبه . وأما قولك في رسوم الكتاب " أنتم أهل الفن تبرزون هذه البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون ونحن بها أشقياء خاسرون " فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه و ( ما أكثر تمردي) – أنت يا ميّ منا وفينا . بل وأنت بين بنات الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها . إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في " المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس . ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية مشت في غابة " الأخوات التسع ( إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن بأسماء عديدة في عصور التاريخ القديم .) بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة كأنها في بيت أبيها . ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان ؟ إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة .

وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون عني , فألف شكر لك على هذه الغيرة وهذا الاهتمام القومي . لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين وجود الجمل في وكر الأرنب . ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً حسناً عني إلا ونحت في قلبي . إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا . ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا , ولا بد من استنباط القوة من الضعف . أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقياً . هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي . لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان ( تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914 التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان .) وهو بالطبع من أصدقائك .

أحمد الله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم . ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبة فأهاب , مضطربة فاضطرب . ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير :

Do not fear our person .
There’s such divinity doth hedge a king
That treason can but peep to what it would
Acts little of his will .
لا تخافي منا
فالملك تحيط به هالة من القداسة
وليس في مقدور الخيانة
أن تبلغ ما ترمي إليه
أو تحد من عزيمته

وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه .
وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا ؟

أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد السوء عنكم وتحميكم من كل أذى . وقد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر . أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً لسائرٍ في السهل منه لساكنيه ؟

ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ما تخطه يدي . وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً .

صديقك المخلص : جبران خليل جبران

---------------------------------------------------------------------------

رد جبران على رسالة مي .. "ماألطف قول من قال :

ياميّ عيدك يوم ** وأنتِ عيد الزمان

ما أغرب ماتفعله كلمه واحد في بعض الأحيان , أنها تحوّل الذات الخفيه فينا من الكلام إلى السكوت .. تقولين أنك تخافين الحب ! لماذا تخافينه ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مدّ البحر ؟ أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لماذا ياترى تخافين الحب ؟

أنا أعلم أن القليل في الحب لايرضيكِ , كما أعلم أن القليل في الحب لايرضيني , أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل , نحن نريد الكمال ..الكثير , كل شيء !
لاتخافي الحب يارفيقة قلبي , علينا أن نستسلم إليه رغم مافيه من الألم والحنين والوحشه , ورغم مافيه من الألتباس والحيره ..

جبران

بُعيد موته عام 1931م , اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسله طويله بينها وبين جبران وذلك في مقاله (جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله) ضمتها فقرات قصيره من رسائله اليها , وعبرت عن حزنها العميق عليه مصّوره غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعه قالت فيها

"حسناً فعلت بأن رحلت ! فاذا كان لديك كلمه أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها , وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى..."
وفي ختام تلك القطعه الوجدانيه المؤثره الفائضه بالحب واللوعه واليأس , أعربت ميّ عن شوقها للرحيل , ولكن مشيئة القدر فرض عليها ان تعيش بعد جبران عشر سنوات تقريباً كانت أسؤا مرحله في حياتها , فقد أستبد بها الحزن ..وعاشت في غمرة الأحزان تمزّقها الوحده والوحشه بعد فقده , أصيبت بانهيار عصبي , تبعه انهيار في صحتها , فاعتزلت الناس , أرسلت الى قريب لها في بيروت دكتور جوزيف زياده رساله مؤثره وصفت الآمها وتردّي صحتها , تلك المحنه قادتها الى لبنان موطنها الأصلي وأدخلتها ظلماً الى مصح الأمراض العقليه مما طعنها في كرامتها ,وقضت ثلاث سنوات متنقله بين ( العصفوريه ) كما يسمونه , ومصح دكتور بيريز وبين بيت متواضع , الى أن هبّوا اقاربائها لأنقاذها , وعادت لى القاهره عاشت سنتين ونصف , الى أن ذوت شيئاً فشيئاً ,فتوفيت عام 1941م
وماهو جدير بالذكر ان مي عندما كانت في لبنان اصطحبت رسائل جبران معها , وكانت تلجاً اليها على انفراد , حين يشفّها الوجد , وصوره لجبران كتبت بخطها الى جانب الصوره ...
( وهذه مصيبتي منذ أعوام )

---------------------------------------------------------------------------

رساله قصيره .. من جبران الى مي ..

عزيزتي الانسه ميّ ..

إني باعث اليك بأول نسخه بلغت يدي من كتاب " المواكب " (1) الذي صدر اليوم , وهو كما تجدينه , حلم لم يزل نصفه ضباباً , والنصف الاخر يكاد يكون جسماً محبوباً , فإن استحسنت فيه شيئا تحوّل هو إلى حقيقه حسنه , وأن لم تستحسني فيه شيئاً عاد إلى الضباب بجملته .
وألف تحيه وسلام إلى روحك الطيبه والله يحفظك ويحرسك .

(1)
المواكب من القصائد القليله التي اتبع جبران في نظمها الوزن والقافيه وقد ذيّلها بمجموعه من الرسوم معبراً عن خطراته الفلسفيه في كل من الشعر والرسم , ونشرت عام 1919م ونقدتها مي في مجلة الهلال المصريه .

---------------------------------------------------------------------------

بوسطن 11 كانون الثاني 1921

يا ميّ

ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية , فلنجلس ساعة ولنتحدث قليلاً . نحن لا نستطيع البقاء هنا طويلاً لأني أرى عن بعد قمة أعلى من هذه وعلينا أن نصل إليها قبل الغروب , ولكننا لن نترك هذا المكان إلا وأنتِ فرحة , ولن نخطو خطوة إلا وأنتِ مطمئنة .

قد قطعنا عقبة صعبة المسالك , قطعناها بشيءٍ من التلبك , وإني أعترف لكِ بأنني كنت ملحّاً لجوجاً غير أن إلحاحي كان نتيجة مقررة لشيءٍ أقوى مما ندعوه إرادة . وأعترف لكِ بأنني لم أكن حكيماً في بعض الأمور ولكن أليس في الحياة مالا تبلغه أصابع الحكمة ؟ أليس فينا ما تتحجر الحكمة أمامه ؟ ولو كانت اختباراتي يا ميّ تماثل بوجه من الوجوه ما اختبرته في ماضيّ لما أعلنتها , ولكنها جاءت جديدة غريبة وعلى حين غفلة . ولو كنت إذ ذاك في القاهرة وأظهرتها لكِ شفاهاً وبصورة بسيطة مجردة خالية مما في الشخصيات من المرامي الذاتية لما حدث بيننا سوء تفاهم . ولكن لم أكن إذ ذاك في القاهرة , ولم يكن لدي من وسيلة إلا المراسلة – والمراسلة في هذه "المواضيع" تلبس أبسط الأمور ثوباً من المركبات وتسدل على وجه المجردات نقاباً كثيفاً من الكلفة . فكم مرة نريد أن نبدي فكرة بسيطة فنضعها في ما يتيسر لنا من الألفاظ , تلك الألفاظ التي تعودت أقلامنا سكبها على الورق , فينتج عن كل ذلك " قصيدة منثورة" أو " مقالة خيالية" . أما السبب فهو أننا نشعر ونفكر بلغة أصدق وأصح من اللغة التي نكتب بها . نحن بالطبع نحب القصائد المنثورة والمنظومة ونحب المقالات الخيالية وغير الخيالية , بيد أن العاطفة الحية الحرة شيء والبيان في المراسلات شيء آخر . مذ كنت صبياً في المدرسة وأنا ابتعد بقدر استطاعتي عن التعابير القديمة المتداولة لأنني كنت ولم أزل أشعر بأنها تخفي الفكر والعاطفة أكثر مما تظهرهما , ولكن يبدو لي الآن أنني لم أتملص مما أتبرم منه – يبدو لي أنني كنت منذ سنة ونصف سنة حيث كنت وأنا في الخامسة عشر , ودليلنا على ذلك ما أثمرته رسائلي من سوء التفاهم .

أقول ثانية أنني لو كنت في القاهرة لوقفنا أمام اختباراتنا النفسية وقوفنا أمام البحر أو أمام النجوم أو أمام شجرة تفاح مزهرة . ومع كل ما في اختباراتنا من الغرابة فهي ليست بأغرب من البحر أو من النجوم أو من الشجرة المزهرة , ولكن من العجائب أننا نمتثل ونستسلم إلى معجزات الأرض والفضاء وفي الوقت نفسه نستصعب تصديق ما يظهر في أرواحنا من المعجزات .

كنت أعتقد يا ميّ , وما برحت أعتقد , أن بعض الاختبارات لا تحدث إلا إذا اشترك بها اثنان في وقت واحد . وربما كان هذا الاعتقاد سبباً أولياً لتلك الرسائل التي جعلتك أن تقولي لنفسكِ "يجب أن نقف هنا" الحمد لله لأننا لم "نقف هناك" . الحياة يا مي لا تقف في مكان من الأمكنة , وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير من لا نهاية إلى لا نهاية . ونحن , ونحن الذين نقدس الحياة ونميل بكل قوانا إلى الصالح والمبارك والعذب والنبيل في الحياة , نحن الذين نجوع ونعطش إلى الثابت الباقي في الحياة لا نريد أن نقول أو نفعل ما يوعز الخوف أو ما "يملأ الروح شوكاً وعلقماً" . نحن لا نريد ولا نقدر أن نلمس جوانب المذبح إلا بأصابع طهرت بالنار . ونحن إذا احببنا شيئاً يا ميّ نحسب المحبة نفسها محجة لا واسطة للحصول على شيء آخر , وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي نحسب الخضوع رفعة والخشوع ثواباً وإذا تشوقنا إلى شيء نحسب الشوق بحد ذاته موهبة ونعمة . ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها بميلنا وحنيننا , ونحن – أنت وأنا- لا نستطيع حقيقةً أن نقف في نور الشمس قائلين " يجب أن نوفر على نفوسنا عذاباً نحن بغنى عنه " لا يا ميّ , نحن لسنا بغنى عما يضع في النفس خميرة قدسية , ولسنا بغنى عن القافلة التي تسير بنا إلى مدينة الله , ولسنا بغنى عما يقربنا من ذاتنا الكبرى , ويرينا بعض مافي أرواحنا من القوى والأسرار والعجائب . وفوق كل ذلك فنحن نستطيع أن نجد السعادة الفكرية في أصغر مظهر من مظاهر الروح , ففي الزهرة الواحدة نشاهد كل ما في الربيع من الجمال والبهاء , وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل ما في البشرية من الآمال والأماني . لذلك لا نريد أن نتخذ أقرب الأشياء وسيلة أو مقدمة للوصول إلى أبعدها , كما أننا لا نريد ولا نقدر أن نقف أمام الحياة ونقول مشترطين "أعطنا ما نريد أو لا تعطينا شيئاً – إما ذاك وإما لا شيء" لا يامي , نحن لا نفعل ذلك لأننا نعلم أن الصالح والمبارك والثابت في الحياة لا يسير كما نشاء بل يسيرنا كما يشاء . وأيّ مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا , في إعلان سر من أسرار أرواحنا سوى التمتع بإعلان ذلك السر ؟ وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف ؟ ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنم والبخور إذا احترق ؟ أو ليس في هذه النفوس المستوحدة سوى المنازع المحدودة ؟

ما أعذب تمنياتك لي في يوم مولدي وما أطيب أريجها . ولكن اسمعي يا مي هذه الحكاية الصغيرة واضحكي قليلاً على حسابي! شاء نسيب عريضة أن يجمع " دمعة وابتسامة" في كتاب , وذلك قبل زمن الحرب , وشاء أن يحشر مقالة " يوم مولدي" بين تلك القطع الضئيلة , ورأى أن يضع التاريخ مع العنوان ولم أكن حينئذ في نيويورك , فأخذ يبحث – وهو بحّاثة لا يكل ولا يمل – حتى وجد تاريخ ذلك اليوم البعيد باللغة الانكليزية فترجم " JANUARY 6 th " إلى " 6 كانون الاول"! وهكذا خصم من سني حياتي سنة وأخر يوم مولدي الحقيقي شهراً ! ومنذ ظهور كتاب دمعة وابتسامة حتى اليوم وأنا أتمتع في كل سنة بيوميّ مولدي , الأول أوجدته غلطة في الترجمة أما الثاني فلا أدري أي غلطة في الأثير أوجدته ! وتلك السنة التي سُرقت مني – يعلم الله وأنتِ تعلمين أنني اشتريتها غاليةً , اشتريتها بنبضات قلبي , اشتريتها بسبعين وزنة من الألم الصامت والحنين إلى ما لا أعرفه , فكيف أسمح لغلطة في كتاب أن تسلبني إياها ؟




رساله قصيره .. من جبران الى مي ..
عزيزتي الانسه ميّ ..
إني باعث اليك بأول نسخه بلغت يدي من كتاب " المواكب " (1) الذي صدر اليوم , وهو كما تجدينه , حلم لم يزل نصفه ضباباً , والنصف الاخر يكاد يكون جسماً محبوباً , فإن استحسنت فيه شيئا تحوّل هو إلى حقيقه حسنه , وأن لم تستحسني فيه شيئاً عاد إلى الضباب بجملته .
وألف تحيه وسلام إلى روحك الطيبه والله يحفظك ويحرسك .

(1)
المواكب من القصائد القليله التي اتبع جبران في نظمها الوزن والقافيه وقد ذيّلها بمجموعه من الرسوم معبراً عن خطراته الفلسفيه في كل من الشعر والرسم , ونشرت عام 1919م ونقدتها مي في مجلة الهلال المصريه .

---------------------------------------------------------------------------


بوسطن 11 كانون الثاني 1921

يا ميّ

ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية , فلنجلس ساعة ولنتحدث قليلاً . نحن لا نستطيع البقاء هنا طويلاً لأني أرى عن بعد قمة أعلى من هذه وعلينا أن نصل إليها قبل الغروب , ولكننا لن نترك هذا المكان إلا وأنتِ فرحة , ولن نخطو خطوة إلا وأنتِ مطمئنة .

قد قطعنا عقبة صعبة المسالك , قطعناها بشيءٍ من التلبك , وإني أعترف لكِ بأنني كنت ملحّاً لجوجاً غير أن إلحاحي كان نتيجة مقررة لشيءٍ أقوى مما ندعوه إرادة . وأعترف لكِ بأنني لم أكن حكيماً في بعض الأمور ولكن أليس في الحياة مالا تبلغه أصابع الحكمة ؟ أليس فينا ما تتحجر الحكمة أمامه ؟ ولو كانت اختباراتي يا ميّ تماثل بوجه من الوجوه ما اختبرته في ماضيّ لما أعلنتها , ولكنها جاءت جديدة غريبة وعلى حين غفلة . ولو كنت إذ ذاك في القاهرة وأظهرتها لكِ شفاهاً وبصورة بسيطة مجردة خالية مما في الشخصيات من المرامي الذاتية لما حدث بيننا سوء تفاهم . ولكن لم أكن إذ ذاك في القاهرة , ولم يكن لدي من وسيلة إلا المراسلة – والمراسلة في هذه "المواضيع" تلبس أبسط الأمور ثوباً من المركبات وتسدل على وجه المجردات نقاباً كثيفاً من الكلفة . فكم مرة نريد أن نبدي فكرة بسيطة فنضعها في ما يتيسر لنا من الألفاظ , تلك الألفاظ التي تعودت أقلامنا سكبها على الورق , فينتج عن كل ذلك " قصيدة منثورة" أو " مقالة خيالية" . أما السبب فهو أننا نشعر ونفكر بلغة أصدق وأصح من اللغة التي نكتب بها . نحن بالطبع نحب القصائد المنثورة والمنظومة ونحب المقالات الخيالية وغير الخيالية , بيد أن العاطفة الحية الحرة شيء والبيان في المراسلات شيء آخر . مذ كنت صبياً في المدرسة وأنا ابتعد بقدر استطاعتي عن التعابير القديمة المتداولة لأنني كنت ولم أزل أشعر بأنها تخفي الفكر والعاطفة أكثر مما تظهرهما , ولكن يبدو لي الآن أنني لم أتملص مما أتبرم منه – يبدو لي أنني كنت منذ سنة ونصف سنة حيث كنت وأنا في الخامسة عشر , ودليلنا على ذلك ما أثمرته رسائلي من سوء التفاهم .

أقول ثانية أنني لو كنت في القاهرة لوقفنا أمام اختباراتنا النفسية وقوفنا أمام البحر أو أمام النجوم أو أمام شجرة تفاح مزهرة . ومع كل ما في اختباراتنا من الغرابة فهي ليست بأغرب من البحر أو من النجوم أو من الشجرة المزهرة , ولكن من العجائب أننا نمتثل ونستسلم إلى معجزات الأرض والفضاء وفي الوقت نفسه نستصعب تصديق ما يظهر في أرواحنا من المعجزات .

كنت أعتقد يا ميّ , وما برحت أعتقد , أن بعض الاختبارات لا تحدث إلا إذا اشترك بها اثنان في وقت واحد . وربما كان هذا الاعتقاد سبباً أولياً لتلك الرسائل التي جعلتك أن تقولي لنفسكِ "يجب أن نقف هنا" الحمد لله لأننا لم "نقف هناك" . الحياة يا مي لا تقف في مكان من الأمكنة , وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير من لا نهاية إلى لا نهاية . ونحن , ونحن الذين نقدس الحياة ونميل بكل قوانا إلى الصالح والمبارك والعذب والنبيل في الحياة , نحن الذين نجوع ونعطش إلى الثابت الباقي في الحياة لا نريد أن نقول أو نفعل ما يوعز الخوف أو ما "يملأ الروح شوكاً وعلقماً" . نحن لا نريد ولا نقدر أن نلمس جوانب المذبح إلا بأصابع طهرت بالنار . ونحن إذا احببنا شيئاً يا ميّ نحسب المحبة نفسها محجة لا واسطة للحصول على شيء آخر , وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي نحسب الخضوع رفعة والخشوع ثواباً وإذا تشوقنا إلى شيء نحسب الشوق بحد ذاته موهبة ونعمة . ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها بميلنا وحنيننا , ونحن – أنت وأنا- لا نستطيع حقيقةً أن نقف في نور الشمس قائلين " يجب أن نوفر على نفوسنا عذاباً نحن بغنى عنه " لا يا ميّ , نحن لسنا بغنى عما يضع في النفس خميرة قدسية , ولسنا بغنى عن القافلة التي تسير بنا إلى مدينة الله , ولسنا بغنى عما يقربنا من ذاتنا الكبرى , ويرينا بعض مافي أرواحنا من القوى والأسرار والعجائب . وفوق كل ذلك فنحن نستطيع أن نجد السعادة الفكرية في أصغر مظهر من مظاهر الروح , ففي الزهرة الواحدة نشاهد كل ما في الربيع من الجمال والبهاء , وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل ما في البشرية من الآمال والأماني . لذلك لا نريد أن نتخذ أقرب الأشياء وسيلة أو مقدمة للوصول إلى أبعدها , كما أننا لا نريد ولا نقدر أن نقف أمام الحياة ونقول مشترطين "أعطنا ما نريد أو لا تعطينا شيئاً – إما ذاك وإما لا شيء" لا يامي , نحن لا نفعل ذلك لأننا نعلم أن الصالح والمبارك والثابت في الحياة لا يسير كما نشاء بل يسيرنا كما يشاء . وأيّ مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا , في إعلان سر من أسرار أرواحنا سوى التمتع بإعلان ذلك السر ؟ وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف ؟ ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنم والبخور إذا احترق ؟ أو ليس في هذه النفوس المستوحدة سوى المنازع المحدودة ؟

ما أعذب تمنياتك لي في يوم مولدي وما أطيب أريجها . ولكن اسمعي يا مي هذه الحكاية الصغيرة واضحكي قليلاً على حسابي! شاء نسيب عريضة أن يجمع " دمعة وابتسامة" في كتاب , وذلك قبل زمن الحرب , وشاء أن يحشر مقالة " يوم مولدي" بين تلك القطع الضئيلة , ورأى أن يضع التاريخ مع العنوان ولم أكن حينئذ في نيويورك , فأخذ يبحث – وهو بحّاثة لا يكل ولا يمل – حتى وجد تاريخ ذلك اليوم البعيد باللغة الانكليزية فترجم " JANUARY 6 th " إلى " 6 كانون الاول"! وهكذا خصم من سني حياتي سنة وأخر يوم مولدي الحقيقي شهراً ! ومنذ ظهور كتاب دمعة وابتسامة حتى اليوم وأنا أتمتع في كل سنة بيوميّ مولدي , الأول أوجدته غلطة في الترجمة أما الثاني فلا أدري أي غلطة في الأثير أوجدته ! وتلك السنة التي سُرقت مني – يعلم الله وأنتِ تعلمين أنني اشتريتها غاليةً , اشتريتها بنبضات قلبي , اشتريتها بسبعين وزنة من الألم الصامت والحنين إلى ما لا أعرفه , فكيف أسمح لغلطة في كتاب أن تسلبني إياها ؟



---------------------------

نيويورك 26 شباط 1924


نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.
أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال:
يا مي عيدك يوم
وأنت عيد الزمان
انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة، عندما بلغت هذه الكلمة ((رفيقة)) ارتعش قلبي في صدري، فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.
تقولين لي أنك تخافين الحب.
لماذا تخفين يا صغيرتي؟
أتخافين نور الشمس؟
أتخافين مد البحر؟
أتخافين مجيء الربيع؟
لماذا يا ترى تخافين الحب؟
أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كلَ شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.
لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟
والآن قربي جبهتك. قربي جبهتك الحلوة – ………………والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة.
جبران
لا بأس – على أنني أخشى بلوغ النهاية قبل الحصول على هذا الشرف وهذا الثواب.
لنعد هنيهة إلى ((عيدك)) أريد أن أعرف في أي يوم من أيام السنة قد ولدت صغيرتي المحبوبة. أريد أن أعرف لأني أميل إلى الأعياد وإلى التعييد.
وسيكون لعيد ماري الأهمية الكبرى عندي. ستقولين لي ((كل يوم يوم مولدي يا جبران))
وسأجيبك قائلاً: ((نعم، وأنا أعيّد لك كل يوم، وكان لا بد من عيد خصوصي مرة كل سنة)).
هذه الرسالة دليل واضح على عمق الحب المشتعل بينهما وقد جاءت ردا على رسالة من مي تعترف لجبران فيها بحبها له وتشتكي من خوفها من هذا الحب الذي لاامل فيه رغم أنها تتمنى أن ينتهي نهاية سعيدة كما معظم قصص الحب
ومن يقرا مجموع الرسائل المتبادلة بين العاشقين يكتشف أنهما يتعايشان يوميا وكأنهما معا رغم بعد المسافة ورغم هذا كانا يتبادلان الحياة بتفاصيلها فقد كتب جبران لمي رسالة يعاتبها فيها على قص شعرها بالرغم من انه لايراه ولا يرى طوله :


نيويورك 23 آذار 1925

إذاً قد قصصت شعرك؟ قد قصصت تلك الذوائب الحالكة ذات التموجات الجميلة؟ ماذا يا ترى أقول لك؟ ماذا أقول وقد سبق المقص الملام؟ لا بأس، لا بأس. عليّ أن أصدق ما قاله لك ذلك المزين الروماني ... رحم الله آباء جميع الرومانيين...
وفي مقطع آخر من نفس الرسالة يسال مي عن عيونها فيقول:
والملاحظ من تلك الرسالة وأخرى غيرها الكثير أن مي وجبران عاشا حياة بأكملها من خلال الخيال والتخيل وكبر
لنعد الآن إلى حال عينيك.
كيف حال عينيكِ يا ماري؟ أنتِ تعلمين، أنتِ تعلمين بقلبك أن حال عينيك يهمني إلى درجة قصوى. وكيف تسألين هذا السؤال وأنت تشاهدين بعينيك ما وراء الحجاب.أنت تعلمين أن القلب البشري لا يخضع إلى نواميس القياسات والمسافات وأن أعمق وأقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم إليها ونجد في الاستسلام لذة وراحة وطمأنينة مع أننا، مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها أو تحليلها. يكفي أنها عاطفة عميقة قوية قدسية. فلم السؤال ولم الشك؟ ومن منا يا ماري يستطيع أن يترجم لغة العالم الخفي إلى لغة العالم الظاهر؟ من منا يستطيع أن يقول "في روحي شعلة بيضاء أما أسبابها فكذا وكذا، وأما معناها فكذا وكذا، وأما نتائجها فستكون كذا وكذا"؟ كفى المرء أن يقول لنفسه " في روحي شعلة بيضاء".
قد سألت عينيك يا ماري لأنني كثير الاهتمام بعينيك، لأنني أحب نورهما، وأحب النظرات البعيدة فيهما، وأحب خيالات الأحلام المتموجة حولهما.
ولكن اهتمامي بعينيك لا يدل على أنني قليل الاهتمام بجبهتك وأصابعك.
الله يباركك يا ماري المحبوبة، ويبارك عينيك وجبهتك وأصابعك والله يحفظك دائماً
جبران

برغم البعد بعض المشاكل تخللت هذا الحب
وبعض الشك من قبل مي الاانّ العلاقة استمرت يسودها الاحترام المتبادل والصداقة الجميلة بينهما من خلال الخطابات والرسائل ترى اوليس هذا حبا عبر الأثير؟ ولماذا يختار جبران امرأة بعيدة عنه كل هذا البعد يحبها ويبثها أشواقه ولعايشها يوما بيوم؟؟ رغم معرفتنا بان لجبران علاقات متعددة مع النساء إلا أن الحب يختار شراكة متفردة بين رجل وامرأة دون النظر لاماكن تواجدهما في الواقع المعاش أو في الواقع المتخيل ففي رسالة أخرى لجبران نرى في آخرها بعد أن يسرد بعض الأحداث يخبر مي بأنها معه وسترافقه في كل الأوقات فكتب:

ستكونين معي كلَ يوم من أيام نيسان. وستكونين معي بعد أن ينقضي نيسان- كل يوم وكل ليلة.
والله يحرسك ويحفظك يا مريم المحبوبة.
جبران

ترى لو عاصر جبران ومي عصر الانترنت والمسنجر والويب كام وإلى ماهنالك من تقنيات حديثة تساعد على التقارب والتعارف أما كان الحب بينهما سيكبر وربما لأثمر عن ارتباط مقدس؟
الرسالة الأولى: 15 كانون الثاني 1915
صديقتي العزيزة،
أرجو منك المزيد من التفصيل في كراستك، وإلا فإن أشياء كثيرة ستظل غير محددة.
أود من الآن أن أعبر لك عن رأيي بصدد نقطة محددة:
إنني أنصحك بحذف الفقرة الثالثة: "المطالبة للمرأة بالحب الحر".
فهذا ليس بمطلب بروليتاري، وإنما برجوازي!
ماذا تقصدين بذلك؟ ماذا يمكن أن يفهم من ذلك؟
1- التحرر من الحسابات المادية (المالية) في الحب؟
2- التحرر من الهموم المالية؟
3- التحرر من الآراء المسبقة الدينية؟
4- التحرر من النواهي الأبوية؟
5- التحرر من آراء "المجتمع" المسبقة؟
6- التحرر من البيئة الخسيسة (الفلاحية، البورجوازية الصغيرة، المثقفة البروجوازية)؟
7- التحرر من عراقيل القانون والمحاكم؟
8- التحرر من إنجاب الأولاد؟
9- التحرر من تبعات الحب الجدية؟
10- السماح بالزنا؟ الخ.
لقد عددت كثيرا من النقاط (وليس جميعها). وأنت لا تقصدين، هذا مؤكد، النقاط من 8 إلى 10، وإنما النقاط من 1 إلى 7، أو شيئاً قريبا من النقاط 1 إلى 7.
ولكن ينبغي، بالنسبة إلى النقاط من 1 إلى 7، اختيار صيغة أخرى، لأن الحب الحر لا يعبر دقيق التعبير عن هذا النوع من الاهتمامات.
إن جمهور وقارئ الكراسة سيفهمان حتما من "الحب الحر" شيئا من النقاط من 8 إلى 10، حتى ولم تشائي ذلك.
ولأن الطبقات الأكثر ثرثرة والأكثر لغطاً والأكثر "بروزا" في المجتمع الراهن تفهم بالحب الحر النقاط من 8 إلى 10، لذا فهذا المطلب ليس ببروليتاري وإنما هو بروجوازي.
أما بالنسبة إلى البروليتاريا فان النقاط الأهم هي النقطتان 1 و2، ثم النقاط من 3 إلى 7، ولكن ليس هذا هو "الحب الحر" بحصر المعنى.
وليست المسألة ما "تقصينه" ذاتيا بهذا. وإنما المسألة مسألة المنطق الموضوعي للعلاقات الطبقية في الحب.
أصافحك مصافحة الصديق!
---------------------------------------------------------------------------الرسالة الثانية: 24 كانون الثاني 1915
صديقتي العزيزة،
فيما يتعلق بمخطط الكراسة، وجدت أن مطلب "الحب الحر" غير دقيق وأنه يُـظهر، بغض النظر عن إرادتك ورغبتك (أشرت إلى ذلك بقولي: المسألة هي مسألة العلاقات الموضوعية الطبقية وليست مسألة رغباتك الذاتية) في الشروط الاجتماعية الراهنة كمطلب بورجوازي وليس بروليتاريا.
أنت غير موافقة!
حسناً، لنمحص القضية مرة أخرى.
رغبة مني في التحديد عددت عشرة تأويلات ممكنة (ومختمة في شرط صراع الطبقات) ولاحظت أن التأويلات من 1 إلى 7، ستكون في رأيي، نموذجية أو مميزة للعاملات، وأن التأويلات من 8 إلى 10 نموذجية بالنسبة إلى البروجوازيات. فإذا كنتِ تنفين ذلك فعليك أن تثبتي ما يلي:
1- هذه التأويلات تأويلات خاطئة (وعندها يتوجب استبدالها بأخرى أو رد الخاطئ منها).
2- أو ناقصة (وعندها يجب تكميلها).
3- أو أنها لا تنقسم إلى تأويلات بروليتارية وبورجوازية.
وأنت لا تفعلين شيئا من هذا.
وأنت لا تتعرضين إلى النقاط من 1 إلى 7. إذن هل تعترفين بوجه عام بصحتها؟ إن ما تكتبينه عن "بغاء العاملات وتبعيتهن" "استحالة أن يقلن لا" يتفق تماما مع النقاط من 1 إلى 7. وليس هناك من خلاف البتة بيننا حول هذا الموضوع. كما أنك لا تمارين في أنه تأويل بروليتاري. تبقى النقاط من 8 إلى 10.
أنت "لا تفهمينها تماما" و"تعترضين": "إنني لا أفهم كيف يمكن (إنها كلماتك) توحيد؟؟؟ الحب الحر؟؟؟ مع النقطة 10.
يتضح إذن أنني "أوحِد" وأنت على استعداد لتدميري.
كيف ذلك؟
وأنت بتخليك كليا عن وجهة النظر الموضوعية والطبقية، تنتقلين إلى "الهجوم" علي، متهمة أياي بأنني "أوحد" الحب الحر مع النقاط من 8 إلى 10.. هذا رائع.. رائع حقا...
"حتى الهوى العابر والعلاقات العابرة" "أكثر شاعرية ونقاوة" من "القبل بلا حب" المتبادلة عادة بين زوجين. هذا ما كتبتيه. وهذا ما تنوين كتابته في كراستك. مدهش.
هل هذه المعارضة منطقية؟ إن القبل العارية من الحب التي يتبادلها الزوجين عادة دنسة. موافق. فبم تردين معارضتها؟ بقبل مليئة بالحب، على ما يبدو؟ كلا، أنك تعارضينها بـ "الهوى" (ولمَ لا تقولين الحب) "العابر" (لمَ العابر؟). وينجم عن ذلك منطقيا أن هذه القبل العارية من الحب (طالما أنه عابر) تتعارض مع القبل العارية من الحب التي يتبادلها الزوجين.
غريب حقا! أفليس من الأفضل، في كراسة شعبية، معارضة الزواج القذر والدنيء غير القائم على الحب (انظري النقطة 6 أو 5 لدي) بالزواج البروليتاري القائم على الحب (على أن تضيفي، إذا كنتِ تصرين على ذلك، إن علاقة الهوى يمكن أن تكون قذرة أو نقية).
إنني لا أريد الدخول في مناظرة. وكان بودي ألا أكتب هذه الرسالة وأن انتظر مقابلتنا. لكني أرغب في أن تكون الكراسة جيدة


1- من مي إلى جبران

صديقي جبران
لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل .

... لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه .

... ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .

مي زيادة
11 آذار 1925


2- من جبران إلى مي

لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! .

هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها .

هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق